توفيق الحكيم .. يوميات نائب في الأرياف و عودة الروح و روائع أخرى
perm_identity Mohamed Nabih

query_builder منذ 7 أيام

توفيق الحكيم .. يوميات نائب في الأرياف و عودة الروح و روائع أخرى



توفيق الحكيم ، هو أحد رواد المسرح العربي و كاتب روائي ذو طابع خاص في كتاباته.

بالفعل كان ذو طابع خاص في كل كتاباته، و لم لا و هو وحده ينتسب له المسرح الذهني.

حينما تسمع تلك الكلمة، المسرح الذهني، ربما يلتبس عليك الأمر و لن تفهمها جيدا، دعني أوضح لك…

المسرح الذهني يعني أن كتاباته هي السهل الممتنع، أي أنك يمكنك قرائتها و تخيلها لكن من الصعب جدا تجسيدها.

فهو نوع من الكتابة يمعن في الوصف الدقيق لكل شيء فأنت تقرأ و كأنك ترى و لكن إن حاولت محاكاة ذلك و تشخيصه ستجد أن الأمر أعقد مما تتصور.

فالقصة كاملة تدور أحداثها في ذهنك أنت أثناء قرائتها.

و كان هذا النوع من الكتابة علامة مميزة للأديب الكبير توفيق الحكيم، بل هو أول من عرف الأدب العربي به.

يشبه ذلك كثيرا في عصرنا الحالي الكاتبة رولنج صاحبة سلسلة قصص هاري بوتر، فلو قرأت تلك الروايات ستنبهر بها بشكل كبير و لن تنال ذات القدر من المتعة عند مشاهدتها.

أثر توفيق الحكيم بأسلوبه الكتابي المميز و آراءه الفكرية التي لطالما أثارت ضجة، في كثير من الأوقات، في فكر الكثيرين من الأجيال اللاحقة.

لنتعرف و نقترب بعض الشيء من حياة و أسرار توفيق الحكيم.



توفيق الحكيم

ميلاد توفيق الحكيم و نشأته: 

ولد توفيق الحكيم في الإسكندرية في محطة الرمل عام ١٨٩٨ لأسرة ميسورة الحال.

فكان أبوه الذي يعمل في سلك القضاء قد ورث ميراثا لا بأس به بعد وفاة والدته.

و هو في الأصل يرجع لجذور ريفية من مدينة الدلنجات التابعة لمحافظة البحيرة.

أهله ذلك للزواج من سيدة أرستقراطية تركية الأصل، فقد كان والدها ضابطا تركيا أحيل للتقاعد.

أثر ذلك الإختلاف بين طبيعتي الأب و الأم بعض الشيء في تربية و نشأة توفيق الحكيم.

فقد حاولت والدته مرارا و تكرارا إبعاده عن تلك الأصول الريفية الخاصة بوالده.

الأمر الذي أدى شيئا فشيئا لكونه إنطوائيا يهوى العزلة إلى حد ما.

و لم يجد إلا القراءة رفيقا مقربا فعكف عليها مبكرا مما ألقى في قلبه حب الأدب و الكتابة.

كذلك كان لتربية أبوه الريفية تأثيرا آخر  فحينما كبر الحكيم و وجد فيه والده حبه للفن و الثقافة آثر إبعاده عن ذلك بإرساله لإستكمال الدراسة في فرنسا.

عودة الروح ما بين الواقع و الرمز: 

أخذت الأيام و السنين تمر على الطفل و الشاب الحكيم واحدة تلو الأخرى.

و وصل للمرحلة الثانوية و هو لم يغادر بلده و لكنه إضطر للرحيل للقاهرة لإستكمال دراسته الثانوية.

و ذهب للإقامة مع أعمامه، هذا تماما ما كتبه في روايته عودة الروح فمزج فيها بين كتابته و حياته.

فرواية عودة الروح تحكي عن ذلك الشاب محسن الذي ترك دمنهور للإقامة في القاهرة مع أعمامه الثلاثة و عمته التي كبرت سنا و لم تتزوج بعد.

يقع الجميع في حب سنية الجارة عازفة البيانو و يبدأ الصدام بين الرجال.

و تفاجئهم جميعا بحبها لمصطفى الجار الميسور الحال.

شاركتها في ذلك الحب العمة زنوبة حتى أنها لجأت للسحر لإتمام ما تريد.

يجتمع الفرقاء ثانية على حب آخر هو حب الوطن و يشترك الجميع في ثورة ١٩١٩ و ينتهي بهم الأمر في السجن و من بعده المستشفى كما بدأت الرواية.

و في الحقيقة كان قد تم إعتقال توفيق الحكيم بالفعل أثناء ثورة ١٩.

و كان هذا ما يميز كتابات توفيق الحكيم هو الربط بين الواقع و الرمز.

و كانت تلك الرواية بمثابة شرارة لإمتداد الثورة فيما بعد ١٩١٩ حتى ١٩٥٢.

المهنة و الأدب في حياة توفيق الحكيم: 

حصل توفيق الحكيم على شهادة البكالوريا عام ١٩٢١ و أصر والده على إلتحاقه بمدرسة الحقوق.

و أثناء الحياة الجامعية لم ينسى أبدا الفن و الثقافة فأخرج أربع مسرحيات لفرقة عكاشة هي: خاتم سليمان، العريس، المرأة الجديدة و علي بابا.

تخرج الحكيم عام ١٩٢٥ و بدأ العمل كمان صغير في أحد المكاتب الكبيرة.

كما ذكرنا من قبل رأى والده ضرورة إبعاده عن أفكاره بإرساله لفرنسا لإستكمال الدراسة.

لكن هيهات، لن يمل الشاب الصغير من الشغف بالأدب و الثقافة و أتته الفرصة على طبق من ذهب فهو الآن في عاصمة النور باريس.

فعكف هناك على دراسة الأدب و حضور الندوات الثقافية.

و لفطنته الشديدة لاحظ أن الأدب الأوروبي يعتمد بشكل كبير على الموروث الإغريقي القديم.

فدرس الأدب اليوناني و إطلع على ما فيه من أشعار و أساطير.

و لم تنتهي مدته هناك إلا و قد أرسل له ولده في إستقدامه دون أن يتم دراسته بعد مرور ثلاث سنوات فقط (حتى عام ١٩٢٨)،  كان ذلك بعد أن كتب رواية من أمام شباك التزاكر.

بعد العودة من باريس مخيبا آمال والده توجه للعمل بالنيابة في ١٩٣٠.

ثم مفتش تحقيقات في إدارة المعارف عام ١٩٣٤.

ثم مديرا لإدارة المسرح بالوزارة عام ١٩٣٧ و قدم إستقالته عام ١٩٤٤ و عاد مجددا للعمل الحكومي في ١٩٥٤ كمديرا لدار الكتب المصرية و عضوا بمجمع اللغة العربية.

تم إختياره مندوبا لمصر في منظمة اليونسكو عام ١٩٥٩.

و شغل منصب رئيس المركز المصري للهيئة الدولية للمسرح، و مستشارا لجريدة الأهرام عام ١٩٧١.

تساؤلات و حيرة عن شخصية توفيق الحكيم: 

الحكيم و المرأة: 

عرف عن الحكيم في الوسط الأدبي و الفني أنه عدو المرأة.

ربما يرجع ذلك لتعنيفه و إنتقاده للسيدة هدى شعراوي عند ترويجها لبعض الأفكار الخاصة بحرية المرأة و التي اعتبرها الحكيم أفكار لا تليق في العلاقة بين المرأة و الرجل.

و على الرغم من ذلك لم ينعكس ذلك الرأي نهائيا على كتاباته التي لطالما أنصفت المرأة و أعطتها حقها في كل شيء.

لم يكن هذا هو التساؤل الوحيد في حياة الحكيم مع الجنس الآخر.

فزواجه الوحيد المعروف كان لسيدة مطلقة و لديها إبنتان.

و هي أم أولاده زينب و إسماعيل، ذلك الزواج الذي فضل إخفاءه عن الجميع لفترة كبيرة.

لم هذا الإختيار و لم الإخفاء؟

ناصر و الحكيم و ٥٢: 

كان الحكيم مؤيدا للثورة بشكل كبير و إعتبره عبدالناصر أبا روحيا لها خاصة بعد رواية عودة الروح.

و نال توفيق الحكيم في عهده قلادة الجمهورية و جائزة الدولة التقديرية في عامي ١٩٥٨ و ١٩٦٠ على الترتيب.

حتى أنه قيل أن لا مواعيد مع الحكيم يأتي و يذهب وقتما يشاء لمقابلة عبدالناصر.

و لم تتأثر تلك العلاقة كثيرا بكتب ألفها توفيق الحكيم مثل بنك القلق و السلطان الحائر.

كما أصيب بحالة من الإغماء بعد وفاة عبدالناصر.

بالرغم من كل ذلك القدر من الإحترام المتبادل إلا أن الحكيم فاجأ الجميع بكتاب ( عودة الوعي) الذي يهاجم فيه جمال عبدالناصر عام ١٩٧٢.

و لم يكن الحال مع السادات بالجيد أيضا فكانا على خلاف ليس بالبسيط خاصة بعد توقيعه على وثيقة المثقفين في ١٩٧٢.

الحكيم و الخلاف مع معاصريه: 

بالطبع لن يتفق رأي الحكيم في العديد من الأمور مع معاصريه.

منهم على سبيل المثال الشيخ المراغي شيخ الجامع الأزهر و في الثمانينات أيضا كان له سلسلة مقالات بعنوان حديث مع و إلى الله.

أثارت تلك السلسلة حفيظة الكثير من رجال الدين.

قال عنه القباني وزير المعارف بأنه شخص كسول و كونه أديبا مشهورا لا يجعله إداريا جيدا إطلاقا.

حتى طه حسين وصف رواية الأيدي الناعمة بالمسرح العبثي و و جه له نقدا لاذعا و تراشق الطرفين بالنقد على صفحات الصحف و المجلات.

بالرغم من أن كلاهما كان قد إمتدح الآخر في أكثر من مناسبة سابقة، حتى أن الحكيم كان قد بعث خطابا لطه حسين يسأله فيه عن إمكانية إستغلال الكتابة في إظهار كل ما هو جميل في مصر.

كما إتهمه الناقد محمد لطفي جمعة بأنه يعيش في كتاباته على تراث الأولين.

و هذا ليس بالبعيد فبالفعل كان الحكيم مولعا بالكتابة من وحي التراث سواء الفرعوني، الإسلامي،القبطي أو الإغريقي.

حتى أن بعضهم قال عنه أنه متعصب للحضارة الفرعونية دون غيرها.

يظهر ذلك جليا في رواية إيزيس التي إستلهمها من كتاب الموتى و فيها أيضا كعادته يجمع بين الرمزية و الواقعية في الرواية.

و هناك أيضا رواية أهل الكهف (١٩٣٩)  المقتبسة من القرآن الكريم و التي أثارت جدلا كبيرا وقتها.

إعتبر الحكيم الفترة ما بين قيام الحرب العالمية الثانية و ثورة ١٩٥٢ و كأنها فترة إنهيار ثقافي مصري.

حتى أنه سماها بالعصر الشكوكي نسبة للفنان المبدع محمود شكوكو.

من أعمال توفيق الحكيم: 

توفيق الحكيم لديه ميراث أدبي ضخم سواء كان في المسرحية أو الرواية.

من أعماله: شهرزاد، محمد صلى الله عليه و سلم، سلطان الظلام، من البرج العاجي،.

و أيضا سليمان الحكيم، الرباط المقدس، عصا الحكيم، مصير صرصار و يوميات نائب في الأرياف.



العقاد، طه حسين، أنيس منصور و توفيق الحكيم هي أسماء محفورة في ذاكرة المصريين بأعمالهم و إبداعاتهم.

و ستظل مصر بأبنائها الأبرار، دائما و أبدا، على مر جميع العصور ولادة و معطاءة و مهد جميع الثقافات و الحضارات بإذن الله.

Mohamed Nabih مقالات الكاتب

طبيب بشري- بكالريوس الطب و الجراحة (جامعة المنصورة)-ماجستير جراحة العظام (جامعة قناة السويس)

اكتب تعليق